السيد محمد حسين الطهراني
30
معرفة المعاد
وعلمنا أنّ تلك الموجودات حاضرة لدى الله تعالى دون أن يحجبهم عنه حجاب ، لأنّهم هم الحجاب الأقرب . كما علمنا أنّها ليست ضمن السماوات والأرض ، وأنّها فارغة من الزمان والمكان ، ومهيمنة على كافّة المخلوقات الإلهيّة ، وأنّها تمثّل الواسطة بين الخالق والمخلوق ، سواءً في المبدأ أم في المعاد ، وأنّها مستثناة من حكم قبض الأرواح من قِبل ملك الموت وأعوانه ، وفي مأمن من الخوف عند نفخة الفَزَع ، ومن الموت عند نفخة الصَعْق ، وأنّها لا تحضر في عرصات القيامة وصحراء المحشر ، بل هي حاضرة في الحجاب الأقرب المشرف على عرصة القيامة ، وأنّها الحاكمة يوم القيامة في أمر ورود الجنّة أو اقتحام النار . وهذه الطائفة من الموجودات مستثناة من المعاد ، لأنّ عودها وبدءها واحد ، ولأنّها لا تمتلك قوّة وحركة ، ولأنّها مبرّأة ومنزّهة عن الطبع وآثار عالم الطبع . أمّا باقي الموجودات - مهما كانت وأنّى كانت - فذات قوّة وقابليّة تستتبع كونها في حركة إلى أصلها ومقرّها الأوّل ، وهي - لذلك - ذات معاد ، إذ إنّ الله تعالى منتهى كلّ شيء ، كما أنّه مبدأ كلّ شيء : وَأنَّ إلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى . « 1 » وأساس الدليل الفلسفيّ على هذه الحقيقة ، هو وحدة الفاعل والغاية ، إذ كلّما صار الشيء مبداً لشيء آخر ، فسيكون غاية ذلك الشيء ومنتهاه . وكلّما اكتسب الشيء تعيّنه من شيء آخر واكتسب في ذاته وجوداً منه ، فسيكون مضطرّاً - في نهاية المطاف - للعودة إلى ذلك الشيء : هُوَ الأوَّلُ وَالأخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . « 2 »
--> ( 1 ) - الآية 42 ، من السورة 53 : النجم . ( 2 ) - الآية 3 ، من السورة 57 : الحديد .